‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا فكرية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

اعتقاد الإمام ابن تيمية وموقف متأخري الحنابلة منه

بقلم الشيخ: محمد عبد الواحد الحنبلي الأزهري
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد:
فقد كثر الكلام في هذه الأيام من بعض طلبة العلم والمتمذهبة بمذهب الحنابلة؛ على مذهب الحنابلة العقدي في باب الأسماء والصفات، وفي بعض مسائل الاعتقاد، التي يخالف فيها ابن تيمية ما يقرره الأشاعرة والمتكلمون، ودخل في هذا الكلام كثير من ذوي الأغراض غير العلمية، وتبعهم بعض محبي العلم من غير المحققين لهذه المسائل وما تنبني عليه، وكثر السؤال عن موقف متأخري الحنابلة من تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية العقدية، ومدى مخالفتهم وموافقتهم لتقريراته، وعن رضاهم بطريقته، فكتبت هذه النقاط، وأصلها تغريدات في تويتر، ثم زدت فيها وعدلت، والله الموفق لا رب سواه.
*
من المهم قبل الشروع في الكلام؛ الإشارة إلى تقرير، وهو: أن المذاهب الأربعة مذاهب فقهية، وليست طرقا عقدية، فلا ينسب لإمام المذهب طريقة في الاعتقاد أو السلوك لمجرد انتساب بعض أتباعه لها، أو تقريرهم بعض مبانيها..
فأبو حنيفة رحمه الله ليس معتزليا، وإن كان أساطين المعتزلة حنفية.
ولم يكن الشافعي رحمه الله أشعريا صوفيا لكثرة ذلك في متأخري أصحابه.
ومثل هذا يقال في سائر المذاهب.
فمن يزعم أن تقرير عالم من علماء الحنابلة أولى بنسبته لأحمد بن حنبل رحمه الله من تقرير غيره، بلا مرجح علمي= فهو مخطئ.
واختيارات أبي يعلى وأبي الخطاب وابن عقيل وابن الجوزي وابن الزاغوني وغيرهم ممن عاصرهم أو أتى بعدهم؛ ليس شيء منها أولى بالمذهب من حيث هي، ولا واحد من هؤلاء يمثل اعتقاده اعتقاد الإمام أحمد واختياراته اختياراته دون مخالفيه، إلا بمستند علمي.
*
أسهل شيء هنا؛ الدعاوى العريضة، والكلام المرسل، والدفع في الصدور، فيمكن أن يقال: إن ابن تيمية خالف كثيرا ممن قبله وخالفه من بعده، ولكننا لا نعدل به أحدا ممن أتى بعده..
ويمكننا أن نأخذ ثناء الأصحاب عليه وتزكيتهم له وإطباقهم على تقديمه والنقل عنه وتعظيمه والثناء على كتبه وأبحاثه مع شيوع ذم المخالفين له وتعصبهم ضده وضد أتباعه؛ حجة لنا في قبول كلامه وتقديمه على ما يمكن أن يقال إنه مخالف له من كلامهم، ونقول: المتأخرون لم يحققوا تلك المسائل، وشيخ الإسلام إمام في هذه الأبواب، فكلامه مقدم، وهو الممثل لمذهب أحمد في الحقيقة، وليس أحد ممن عاصره ولا من أتى بعده من أصحابنا أكثر تحقيقا للمقالات في أصول الدين واطلاعا على روايات أحمد والأئمة منه، ومن كان مثله أو قريبا منه وهم قليل؛ لم يطعن أحد منهم في اعتقاده ولا تقريراته..
ولكننا لن نفعل هذا، وإنما سنخلط حججنا بالرد على أهم حججهم، خصوصا مع عدم الوقوف على من رد هذه الحجج تفصيلا.
* احتج بعضهم على مخالفة المتأخرين لكثير من تقريرات الشيخ العقدية بشيوع كتب معينة في التدريس عند الحنابلة، فيها ما يخالف تقريرات ابن تيمية العقدية في عدد من المسائل؛ كالعين والأثر، ونهاية المبتدئين، ومختصره، والسفارينية، وأن هذه الكتب هي التي يدرسها الحنابلة ويأخذون منها اعتقادهم، دون كتب شيخ الإسلام العقدية، وفيها ما يخالف تقريراته..
-
والجواب عن ذلك أن يقال:
-
إن شيوع كتاب ما في التدريس في أي علم من العلوم؛ لا يدل على أن كل ما فيه هو المعتمد عند أرباب الفن وأصحاب المذهب.
وأمثلة هذا كثيرة جدا:
فمعتمدات التدريس في الفقه غير معتمدات الفتيا والقضاء.
فالزاد مثلا، ليس كل ما فيه معتمد المذهب، مع أن مؤلفه وكتابه الآخر الإقناع؛ عمدة المتأخرين.
وهذا ليس في الفقه فحسب؛ بل في الأصول واللغة وغيرهما من العلوم.
ولذلك فالورقات في الأصول، فيه ما فيه من قصور، وهو معتمد في التدريس، وشرحه كثير من العلماء، ومنهم من هو أشهر شراح المتون في المتأخرين، وكتبت عليه الحواشي الكبيرة والصغيرة.
والآجرومية فيه ما فيه من نقص، وهو كذلك في التدريس والعناية به.
وهكذا اللامية، والمقصود، في الصرف.
وهذا باب واسع.
فمن المغالطة أن يقال: إن كتاب عبد الباقي الحنبلي مثلا يمثل اعتقاد الحنابلة بكل ما فيه؛لمجرد شيوع تدريسه في حقبة ما، أو أقاليم معينة، ثم يعارَض بهذا إمام كابن تيمية، وترد تقريراته لمخالفة عبد الباقي وأضرابه إياها.
هذا لو سلمنا أن تقريرات عبد الباقي في معظم مسائل الاعتقاد وخصوصا الصفات تخالف تقريرات ابن تيمية، وإلا فهذا غير مسلم؛ بل هي توافقه غالبا، وخصوصا في مسائل الصفات وهي معقد الكلام هنا، وينقل عنه فيها، ويعتمد أقواله.
وهذا باب يحتاج ردا تفصيليا وعناية بالمقارنة، وليس هذا هو المقصود هنا، ولا التتبع لما حواه كتابه أو كتاب ابن حمدان من قبله أو ابن بلبان من بعده أو غيرها، وإنما الشأن أن نفس هذه المعارضة مسلك غير علمي.
*
ثم إذا قيل: المتأخرون خالفوا ابن تيمية في مسائل عقدية، فليس هو ممثلا لمذهب أحمد في الاعتقاد.
قلنا: بعد استصحاب ما قدمناه، ها هنا أمور:
أولا: رتبة ابن تيمية في المذهب وفي غيره؛ فوق رتبة كل من أتى بعده، باعترافهم أنفسهم، ولا يخالف في هذا شخص يدري ما يقول.
ومعرفة ابن تيمية بنصوص أحمد وهضمه لكلامه ومذهبه وطريقته وصدقه فيما ينقله؛ أمر لا يجادل فيه عاقل.
وإذا كان المرداوي ينتقد ابن منجا والحارثي لو خالفا الموفق في أمر متعلق بالنقل عن أحمد، ويقول: إن للموفق من الاطلاع ما ليس لهما، ويعتذر عن ابن مفلح بنظير ذلك ويسلم له اطلاعه الواسع..
وابن قندس يرد ما وُجد بخط أبي حفص، ويستعظم أن يخالف تقرير ابن تيمية في مسألة فقهية يسيرة كالسواك باليسرى لخطه أو خط غيره..
والخلوتي يعنف الحجاوي لاعتراضه على المرداوي=
فكيف يعارَض ما ينقله ابن تيمية بمتأخري المتأخرين هؤلاء، أن لو كانوا يعارضونه أو يخالفونه أصلا!
ومتى كان المذهب يتقرر بتقريرات عبد الباقي وحده أو ابن بلبان وأضرابهما؟
وأين النص منهم أو ممن يتقرر المذهب بتقريراتهم على مخالفة ابن تيمية؟
ولو قلتَ: إنهم اعتمدوا كتاب ابن حمدان وتقريراته؛ فابن حمدان على جلالته وُصفت أهم كتبه بعدم التحرير فكيف تقدم على تقريرات ابن تيمية؟!
ومجرد النقل عن كتاب لا يدل على اعتماد ما فيه كله، وقد نقل أصحابنا عمن لا يرتضون طريقتهم في الاعتقاد.
ثانيا: تعظيم هؤلاء المتأخرين لابن تيمية كما لم يعظموا معاصرا له ولا جائيا بعده= أمر مستفيض مشهور، وكتبهم غاصة بالثناء عليه وعلى ديانته، والتسليم بإمامته وسعة علومه ودرايته، والدفاع عنه، وذكر اختياراته، والاحتفاء بها، حتى مع مخالفتها معتمد المذهب في الفقه عندهم كثيرا، وتلقيبه بالشيخ بعد أن كان لقبَ الموفق عند من سبقهم، وغير ذلك كثير، وإضفاء ألقاب التفخيم والتبجيل عليه، وإفراد سيرته بمصنفات، والثناء على اعتقاده ونصرته مذهب السلف..
كل هذا مشهور مستفيض، وليس فيه منازع واحد من الحنابلة من وفاة ابن تيمية إلى زماننا.
ولم يقل أحد منهم: إن ابن تيمية خالف اعتقاد أحمد، أو نسب إليه ما لا تصح نسبته إليه، ولا حذروا من اختياراته ولا من شيء منها أصلا، بل من ألف في الاعتقاد منهم أثنى على الشيخ، ونقل عنه، فالسفاريني مثلا لم ينقل في شرح نظمه عن أحد ما نقل عن ابن تيمية، ثم ابن القيم، ولم ينتقد قولا لهما مرة واحدة، فكيف يفعل هذا هو والمتأخرون مع من يخالف اعتقاد أحمد لو صحت هذه المخالفة؟! وهل هذا منهم إلا تلبيس؟!
وما سطوة ابن تيمية وأتباعه في ذاك الزمان، وليس هناك وهابية ولا سعودية؟!
بل إن من عارض الوهابية من الحنابلة؛ كابن فيروز وابن حميد وابن سلوم وعثمان بن منصور= لم يعارض ابن تيمية وابن القيم، ولا طعن في اعتقادهما، ولا في اختياراتهما، مع انتساب الوهابية للشيخين وتعظيمهم لهما ودعواهم أن ما يقررونه هو أقوالهما.
فأين في كلام عالم حنبلي واحد من زمان ابن تيمية إلى زماننا: الطعن في الشيخ أو في اعتقاده أو علمه وإمامته أو صدقه في النقل عن أحمد؟!
ثالثا: المتأخرون الذين هم عمدة المذهب ليس لهم مؤلفات عقدية.
فلا ابن مفلح ولا المرداوي، ولا الفتوحي ولا الحجاوي، ولا البهوتي، لهم مؤلفات عقدية.
وكتبهم مليئة بما ذكرناه من تعظيم الشيخ والاحتفاء باختياراته والثناء على معتقده ومسلكه.
ومن بعدهم أو من عاصر بعضهم، لما ألف في الاعتقاد؛ فعل ما ذكرناه من النقل عن الشيخ وتعظيمه، وليس هناك حرف واحد في انتقاد اختيارات الشيخ واعتقاده.
رابعا: حين يقال: كتب المتأخرين العقدية -بعد من ذكرنا من كون كبار أئمتهم لم يؤلفوا في ذلك-؛ فمرعي وعبد الباقي وابن بلبان وعثمان والسفاريني وابن سلوم، لم يقع منهم إلا تعظيم الشيخ والنقل عنه، ولم ينتقدوه مرة واحدة، وبعضهم كعثمان يقرر كلامه بالحرف الواحد ولا ينقله عنه، والسفاريني قد ذكرت حاله، وابن سلوم اختصر شرح السفارينية وما خالف تقريرات الشيخ ولا نبه على المخالفة، وعبد الباقي نقل عن ابن تيمية، وتقريراته في الصفات لا تخالفه، ومرعي له من تعظيم الشيخ والثناء عليه وعلى اعتقاده وإمامته ما لم يقل مثله في أحد من أئمتنا؛ بل أفرد مصنفا في ترجمته والثناء عليه!
وهذا في باب الأسماء والصفات، وأما بعض مسائل، نحو التعليل والتحسين والتقبيح والقوة المودعة؛ فهم يصرحون في كتب الأصول بأن اختيار ابن تيمية فيها منسوب للمذهب؛ سواء خالفوه أو وافقوه، واختاره جمع من كبار أئمتنا قبل ابن تيمية، وابن تيمية يذكر فيها الخلاف بين أهل السنة وأهل الحديث!
لكن الكلام الأهم هو المتعلق بالصفات، وفيها ما ذكرته آنفا.
*
فالتحدي القائم الذي يعجز مخالفونا عن القيام أمامه والرد عليه؛ ليس أن ينقل كلام محتمل يقوله المتأخرون، هو في موضع النزاع، ويحتمل قولنا وقولهم..
ولا أن ينقل كلام لطائفة من المتقدمين يدل على أنهم مفوضة في بعض الصفات؛ فهذا محل اتفاق بيننا، ويقره ابن تيمية وكل منصف، ويصرح ابن تيمية بأن ذلك قول طائفة من المنتسبين لأهل السنة والحديث من الحنابلة وغيرهم..
ولا أن ينقل كلام عن بعض المتأخرين في ذم جدال المتكلمين والفلاسفة والتوسع معهم واستعمال جنس حججهم، فهذا أيضا ليس في محل الدعوى والمطالبة..
وإنما التحدي المذكور هو ما يلي:
١-المتأخرون قاطبة يعظمون ابن تيمية، ويثنون عليه، ويدافعون عنه، ويصفونه بشيخ الإسلام مع شيوع مخالفته من خصومه وذمهم له، ويأخذون بكثير من اختياراته وتقريراته، ويظهرونها، ويحتفون بها.
٢- عندنا ثناء مفصل من أئمة المتأخرين على اعتقاد الرجل ونصرته مذهب السلف على مذهب المتكلمين وقيامه بأعباء ذلك، وعندنا تبرئة له من البدع التي نسبه لها مخالفوه، ومن ذلك قول البهوتي في كشاف القناع ونحوه في حاشية الإقناع: 
شيخ الإسلام، بلا ريب، بحر العلوم النقلية والعقلية، أبو العباس أحمد تقي الدين بن عبد الحليم بن شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن تيمية الحراني ... كان إماما مفردا، أثنى عليه الأعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتحن بمحن وخاض فيه أقوام حسدا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك بريء، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ما كان، وأيده الله عليهم بنصره، وقد ألف بعض العلماء في مناقبه وفضائله قديما وحديثا، رحمه الله، ونفعنا به. انتهى.
فإذا لم تكن هذه تزكية لطريقة الشيخ في الاعتقاد= فليس في الدنيا ما يدل على ذلك.
وإذا كان البهوتي يخالفه في أعظم مسائل الاعتقاد وهو ما يتعلق بالأسماء والصفات والكلام فيها إثباتا أو تفويضا أو تأويلا، فكيف يقول: إن ابن تيمية يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، وإن الله أيده عليهم؟!
وهل يخالف المتكلمون ابن تيمية لو كان يقول بالتفويض بالمعنى الذي ينسبونه هم للسلف؟!
٣- المتأخرون ينقلون خلاف ابن تيمية في كل مسألة له فيها قول يخالف المذهب؛ فقهية كانت أو أصولية أو اعتقادية، وقد نقلوا القولين في مسائل مثل: التحسين والتقبيح، والحكمة والتعليل، وأول واجب على المكلف، إلخ، وذكروا اختيار ابن تيمية فيها والقول الآخر..
أفيعقل أن يطبِقوا على عدم ذكر كلام ابن تيمية في الصفات وفهمه للتفويض المنسوب للسلف والأئمة، ثم يزكوا اعتقاده مع ذلك، وهم يفهمون أن تقريره في هذه المسألة العظيمة مخالف لتقريرهم، ومخالف لاعتقاد أحمد؟!
وأن يملأوا كتبهم العقدية بالنقل عنه، وبتقريراته، والثناء عليه، ثم لا ينبه واحد منهم على خطئه في الفهم، لا أقول: كذبه؛ بل: خطئه في تقرير مذهب أحمد؟! ولا ترى حرفا واحدا في الرد عليه ولو بدون تسميته، كأن يقال: "مذهب أحمد التفويض خلافا لما قرره بعض المتأخرين، أو خلافا لبعضهم، أو نحو ذلك"، كما فعل البهوتي في مسألة شد الرحل للزيارة؟!
أفيعقل هذا وكأن ابن تيمية لا كلام له هنا، ولم يملأ الدنيا بأبحاثه وردوده على المفوضة وذمهم؟!
وهل كان الأشاعرة يذمون الحنابلة ويرمون كثيرا منهم بالتجسيم لكونهم مفوضة، والأشاعرة يقولون: إن التفويض طريقة السلف، وإنها أسلم، ويقبلونها؟!
وهل حين يقال من جماعة من محققي الأشاعرة: إن فضلاء الحنابلة يخالفون جمهورهم، يمكن تقرير كون جمهور الحنابلة مفوضة؟!
-
فالحجة القائمة هنا: أن متأخري أصحابنا عظموا ابن تيمية، ولم يخطئوه في اختياراته العقدية، وإن خالفه بعضهم،
وبعضهم يقرر ما يقرره الشيخ؛ إما بلا نقل؛ كعثمان بن قائد في نجاة الخلف، فإنه قرر ما قرره ابن تيمية في التدمرية وغيرها من كتبه،
وإما بنقل عنه؛ كعبد الباقي في العين والأثر؛ فإنه رد على الأشعري تأويله الاستواء
ثم نقل كلام الإمام مالك المشهور،
ثم قال: وأما قوله: (والكيف مجهول= فالجهل بالكيف لا ينفي علم ما قد علم أصله، كما نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو)، ثم قال عبد الباقي: (أشار إلى ذلك ابن تيمية في بعض رسائله).
فانظر كيف احتج بابن تيمية في تقريره التفويض؟!
ولم يجئ حرف واحد عن معتبر بعد ابن تيمية يخطّئ فيه ابنَ تيمية في تقريره مذهب أحمد في الإثبات والتفويض،
بل السفاريني قد أكثر النقل عن ابن تيمية في هذا الموضع ونحوه ولم يتعقبه.
•
وأما معارضة تقريرات ابن تيمية بتقريرات ابن حمدان= فعجيب!
فابن تيمية المسلّم له سعة الاطلاع ومعرفته التامة بنصوص أحمد ورواياته، وأمانته في النقل ودقته في العزو، لم يقل أحد من أصحابنا فيه غير ذلك، ولم يقولوا في كتاب له: إنه غير محرر، مع كثرة كتبه جدا، وكونه يكتب كثيرا من حفظه، ومع ذلك فكل مصنفاته معتبرة محررة؛ بل ينقلون تقريره الفقهيات حتى من كتب كمنهاج السنة، فكيف يعارَض هذا ببعض تقارير ابن حمدان، الذي مع جلالته واستفادة الأصحاب منه ونقلهم الكثير عنه؛ قال فيه ابن مفلح في الفروع بعد نقل بعض كلامه:
(وهذا وأمثاله لا عبرة به،وإنما يؤخذ منهما -يعني: الرعايتين لابن حمدان- بما انفرد به بالتصريح، وكذا يقيد في موضع الإطلاق، ويطلق في موضع التقييد، ويسوي بين شيئين المعروف التفرقة بينهما، وعكسه، فلهذا وأمثاله حصل الخوف وعدم الاعتماد).انتهى
فهل قيل شيء من هذا في كتاب واحد لابن تيمية وللرجل مئات المصنفات؟!
أو قيل بعد نقل له أو تقرير:لا عبرة بكلامه!
فقد جعل الله لكل شيء قدرا، ولذا نقلت آنفا كلام ابن قندس في مسألة السواك باليسرى، وتعجبه: كيف يرد تقرير ابن تيمية لخط أبي حفص؟!
فمن رد تقارير ابن تيمية النحرير، بكلام ابن حمدان الذي وصفت كتبه بعدم التحرير= فهو مغالط.
وهذالا يمنع كما ذكرتُ: أن الأصحاب ينقلون عنه ويفيدون منه، لكن عند الترجيح والجلالة فلا مقارنة.
•
ويبقى أنه ما من إمام إلا وخالفه المتأخرون في بعض تقاريره، ودونك الخرقي وأبو يعلى وأبو الخطاب والمجد وابن قدامة وابن تيمية وابن رجب وابن مفلح والمرداوي نفسه.
فنفس المخالفة واستقرار المذهب على خلاف بعض آراء واحد من هؤلاء= لا إشكال فيه ولا مطعن؛
إذ معتمد المذهب أمر اصطلاحي، لا يعني خطأ خلافه، ولا يعني الطعن فيمن خالفه المتأخرون.
بل قد صرحوا أن كل واحد من هؤلاء ونحوهم إمام صاحب وجه ⁦⁦⁩ويصح تقليده.
وإنما المهم هنا: هل حين خالفوه؛ أنكروا عليه، أو بدعوه، أو لم يسوغوا خلافه؟
هذا ما لم يقع شيء منه مع ابن تيمية.
⁦⁩ بل إن أعظم ما يمكن انتقاد ابن تيمية فيه والزعم أنه خالف فيه المذاهب الأربعة أو خالف الإجماع، وهو اختياره في الطلاق الثلاث والحلف بالطلاق= جزم مرعي في الغاية بجواز تقليد ابن تيمية فيه، وهو قد خالف المذهب رأسا بل والمذاهب الأربعة كلها!
فأي شيء بعد هذامن الإجلال له؟!
-
وحينئذ فلا اعتماد كتاب فيه ما يخالف بعض تقاريره
ولا اختيار بعض المتأخرين خلاف الشيخ في مسائل= يؤثر في إمامته ورتبته واعتماد اختياراته ونقولاته.
*
وأما لماذا لم يدرسوا كتب ابن تيمية العقدية؟
فالجواب: أن اختيار كتاب ما للتدريس؛ له معايير تختلف عن معايير اعتماده للفتيا والقضاء وغير التدريس، كما بينت من قبل.
وكتب ابن تيمية كالواسطية والحموية والتدمرية؛ ليست كتبا شاملة لمسائل الاعتقاد كلها، بل منها ما هو فتيا، ومنها ما هو مخصوص بباب يستفيض فيه، وليس له كتاب يشمل أبواب الاعتقاد كلها، ومن كتبه ما هو كبير لا يمكن شرحه ولا يمكن عده كتابا تدريسيا.
فاعتماد التدريس له معايير مختلفة.
فليس الشأن: لماذا لم يدرسوا كتبه؟ 
وإنما الشأن: هل ردوا ما حوته كتبه أو انتقدوه أو انتقدوا كتبه؟
والجواب قد سبق ذكره تفصيلا.
* لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية شخصية عادية، أو ذات حضور يسير، أو أثر سهل فيمن تلقى عنه أو عاصره أو أتى بعده؛ بل كان ملء الدنيا وشغل الناس من حياته إلى يومنا هذا، فليس هو عالما عاديا؛ لا من حيث الشخصية، ولا الملكات، ولا التأله، ولا المصنفات، ولا التلاميذ، ولا المشروع المتكامل والرؤية الكلية، ولو كان هذا الرجل في أمة غير هذه الأمة لجعلوه قديسا، فهو أحد العباقرة الأفذاذ، والفلتات التي لا يجود الزمان بمثلها إلا نادرا!
وليس القصد هنا الترجمة للشيخ، ولا ذكر أثره الضارب بجذوره المغدق بثماره في عامة العلوم الشرعية وما تعلق بسبيلها، ولكن المقصود مزيد تجلية لأثره في مسيرة المذهب الحنبلي وعلى أئمة الحنابلة من بعده..
فأنت واجد حضوره قويا وذكره ظاهرا في طبقة متقدمة من تلامذته، وحتى من لهم منهم مخالفات عديدة لمشربه، كالطوفي، هذا غير وارث علومه ومهذبها ابن القيم، وأفقه تلامذته بل أحد أفذاذ فقهاء جيله ابن مفلح، والواحد من هؤلاء لن ترى ذكرا لأحد من مشايخه واختياراتهم في كتبه كما ترى ذكر شيخ الإسلام واختياراته، ثم تمرّ بالزركشي وابن اللحام وابن رجب وابن مفلح الحفيد والمرداوي، وغير هؤلاء من فحول علماء القرن الثامن والتاسع، ثم من بعدهم من علماء الحنابلة في القرون المتعاقبة لا يستثنَى من ذلك أحد، كلهم ينقل أقواله ويحتفي بها وإن خالفت المذهب، وكلهم يعظم الشيخ ويجله ويعترف له بالتقدم والإمامة الفذة، بما لم يحصل لمعاصر لابن تيمية ولا لأحد من شيوخه ولا تلامذته، ولا أحد ممن أتى بعده أصلا.
-
لكن اللافت للنظر هنا أمر:
أن على مدرسة شيخ الإسلام ومعظميه استقر المذهب، بحيث يمكن أن يقال هنا للشانئين والحاقدين؛ ما قاله سبط ابن العجمي المعروف بالبرهان المحدث للتقي الحصني -لما دخل التقي إلى حلب ولم يتوجه لزيارته لسبب ما، فتحامي قصده، فما وسع البرهان إلا المجيء إليه، فوجده نائما بالمدرسة الشرفية، فجلس حتى انتبه ثم سلم عليه، فقال له: لعلك التقي الحصني! فقال: أنا أبو بكر. ثم سأله عن شيوخه فسماهم له-، فقال له: (إن شيوخك الذين سميتهم هم عبيد ابن تيمية أو عبيد من أخذ عنه، فما بالك تحط أنت عليه)! فما وسع التقي إلاّ أن أخذ نعله وانصرف ولم يجسر يرد عليه!
ونفس هذا يقال لكل زاعم أنه حنبلي وفي نفسه شيء على ابن تيمية: وهل أحد ممن تأخذ المذهب من كتبهم من المتأخرين وتستكثر بأقوالهم إلا عبيد ابن تيمية أو من أخذ عنه!
ولذا قلت من قبل: إنه لا تصح حنبلية أحد حتى يعظم ابن تيمية ويصحح معتقده، وإلا كان دعيا، وهذا حتى لو خالفه في مسائل أصلية وفرعية، فما ادعى أحد أن ابن تيمية معصوم، وقد عارضه ابن رجب في مسائل، وفي توسعه في الرد على الفلاسفة والمتكلمين، وكذا فعل الذهبي، مع تعظيمهما التام له، ولم يقولا إنه ابتدع في اعتقاده، أو أخطأ فيما ينسبه لأحمد والأئمة، أو يقولا ما يقوله بعض الأغرار المعاصرين تلطفا: إن لوازم أقواله باطلة لكنه لم يلتزمها، وإنما هم يطنطنون ولا يفقهون لازما ولا ملزوما.
فالمقصود: أن هؤلاء الفحول من أئمة الحنابلة المعظمين للرجل المترجمين له الناقلين عنه المعتنين بأقواله؛ لم يأت عنهم حرف واحد في تخطئته عقديا ولا حتى باللازم من أقواله، ولا حذروا من قول عقدي له مطلقا، بل منهم من صرح كالبهوتي: أنه نصر مذهب السلف على مذهب المتكلمين وأيده الله عليهم وأنه بريء من البدع كلها، فأي شيء يراد بعد هذا؟!
ولنرجع إلى ما كنا نقرره، وهو أن مدرسة شيخ الإسلام من تلامذته وتلامذة تلامذته والمعظمين له والناقلين أقواله؛ هم من استقر المذهب عليهم وعلى ترجيحاتهم.
فالمنتهى والإقناع فرعان للمرداوي، وللإقناع مزيد توسع، ومؤلفه ينقل في متنه عن الشيخ كثيرا ولا يفعل هذا مع غيره، ويلقبه دون غيره بالشيخ، مع أن هذا اللقب كان قبله يقال للموفق ابن قدامة رحمه الله، وصاحب المنتهى يعتمد تقريرات هي للشيخ رحمه الله، كما يعلم ذلك من شروح المنتهى وحواشيه، وكذا يصنع البهوتي في شروحه كلها.
والعلاء المرداوي من أكثر الناس تعظيما للشيخ، ونقلا لأقواله بما ليس موجودا بيننا في مصنفات الشيخ المطبوعة كلها، وما من مسألة للشيخ فيها اختيار في الفروع ولا في الأصول إلا يذكره.
ثم لو نظرت في أهم عالم اعتمد عليه المرداوي في تصحيح المذهب فهو ابن مفلح، وهو تلميذ ابن تيمية المباشر، والمعظم له، والناقل لأقواله، والناشر لها في فروعه وأصوله وآدابه.
وكذلك ابن رجب وابن قندس، والأول فرع من فروع ابن تيمية، فهو تلميذ ابن القيم، وترجمته للشيخ حافلة، وإن خالفه في مسائل وانتصر للمذهب، فليس الكلام في المخالفة، بل هذه من مميزات ابن مفلح وابن رجب والمرداوي.
وحينئذ فالمذهب إنما استقر على كتب واختيارات وتصحيحات تلامذة الشيخ ومعظميه والناقلي أقواله.
*
ثم بعد كل ما ذكرناه؛ إن أصر مصر على أن المتأخرين خالفوا ابن تيمية في الاعتقاد، مع ما يلزم على ذلك من لوازم لا يدركها عقله:؛ فيقال له: وهل سوغوا خلافه فيما خالفوه فيه، أو أنكروه وبدعوه؟
والجواب قطعا: هو الأول.
فدارت طريقتهم بين موافقته وتسويغ خلافه، فكان ماذا؟!
وأي شيء بقي لشانئ أو منكِر أو من يرى بدعية أقوال الشيخ ولو باللازم؟!
فمن كان كذلك فليبحث له عن مذهب آخر فليس له عند الحنابلة مكان، ولو تمسح بما تمسح وتسمى بما تسمى وتلقب بما تلقب، فلا توضع فوق الرؤوس النعال، وليس يبغض ابن تيمية الرجال.
وفي هذا القدر كفاية، وإن كان المقام يستدعي مزيد تفصيل ونقولات.
والله يسلك بنا سبيل أئمتنا ويلحقنا بهم بمنه وكرمه ولا يجعل في قلوبنا غلا لهم.


الأحد، 21 فبراير 2016

الغرور العقلي .. والانتكاس الفكري

الكاتب: عبد الله بن محمد السعوي
لو ألقينا نظرة تأمُّلية تبحث عن العوامل الفعّالة التي تقف خلف كثير من التحولات الفكرية الحادة عند بعض النماذج والتي تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على نحو يستعصي معه الفهم والتحليل ؛ لألفينا أنها لم تنبثق من فراغ بقدر ما هي أثر حتميّ أفرزته بواعث متنوعة بينها تسلسل سببي وروابط عليّة متبادلة ومتفاعلة أسجّل باعثين هنا منها على سبيل الإجمال ، مقتصداً جهد الطاقة حتى لا أثقل على ذاكرة القارئ الكريم :
أولاً : القراءة المكثفة في كتب أهل الأهواء مع ضآلة العلم الشرعي في منحاه العقدي خاصة : إن الفضول المعرفي بطبيعته يدفع إلى مزيد من النّهم القرائي اللامنضبط أحياناً مما يدفع بالفرد إلى قراءة كل ما يقع في متناول يديه من أطروحات فكرية قراءةً غير موجهة بحكم عدم استنادها إلى قدرات علمية عليا ، ولذا فهي تولد الاتجاه السلبي أكثر مما تعزّز التوجه السلفي كإفراز حتميّ ناشئ عن ضمور مكتسبه المعرفي في جانبه العقدي على وجه الخصوص .
إن هشاشة الوعي ومحدودية القدرات العلمية تجعل من البنية الذهنية أرضاً خصبة مهيّئة لاستقطاب الأبنية المفاهيمية والمعاني المزيفة والرُّؤى الممعنة في التضليل باعتبارها أفقاً للوعي لا يسع المرء إلا الامتياح منه والتماهي مع معطياته .
إن إثارة الشبهات والتشكيك في العقائد والإطاحة بالتصورات الإيجابية هو الهدف المحوري الذي تتغيّاه كتب ومقالات أهل الأهواء ، الشأن الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمعّر وجهه عندما شاهد صحيفة من صحف أهل الكتاب مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الفاروق المبشَّر بالجنة ، ونهاه عن قراءتها .
ولقد كان سلفنا الأفاضل يحرِّمون علم الكلام ويشدّدون في عدم السماع من أهل الأهواء أو النظر في مؤلفاتهم حتى ولو احتوت على شيء من الحق ؛ لأن هذه الأطروحات تورّث شُبهاً تضلّل المتلقِّي وتستهويه وتؤثِّر على قناعاته ، وهذا التأثير عائدٌ في تصوّري لعاملين :
أحدهما : أنها تعتمد في بنائها التعبيري والفكري آليات فلسفية ترتكز على الفذلكة الكلامية والحذاقة اللفظية لتستهوي الفكر وتأخذ بلباب العقل وتلبس عليه وتسيطر على مساربه فيتلقف بعض الشبهات دون وعي ، يتلقاها بلا غربلة ولا تمحيص ، تتلبّسه الفكرة ويتلبّس بها ، ترتسم في عقله ويتفاعل مع أدقِّ تفاصيلها ويغنى بها عن غيرها ، تكبِّله بقيودها وتحجبه عن معاينة ما باينها ، وتزجُّ به في دائرة مغلقة خانقة فيسيطر عليه شعور بصوابية ما يعتنقه بل يعتبره هو الحق المطلق ، ومن ثم تتعسر عليه المراجعة ، وتحت هذا الضغط النفسي الشديد تستبدُّ به الفكرة فلا يرى إلا ما يتقاطع معها ، فيندفع للعمل بمقتضاها دون وعي ، إنه يعيش في غيبوبة أفضت به إلى عزلة لا مادية خانقة نائية به عن مدِّ جسور التواصل والتماس والتفاعل الحيوي مع الأفكار المغايرة لها ، قد ملكت عليه لُبّه ووجدانه على نحوٍ بات معه مفتقداً للرؤية الموضوعية النافذة مثله كما المحاط بألسنة اللهب ، فرؤيته محدودة محصورة في ذاته وما يحيط بها من دخان كثيف .
العامل الثاني : أنها تملك مهارات عالية وكفاءة بارعة في تمرير مشروعها الفكري ، وذلك من خلال ضخِّ المعاني ذات الطابع المادي التي تدغدغ حوائج الناس وتستجيب لعواطفهم ، ومن هنا تصرفهم عن الحق بهذه المداخل الباطلة التي تتظاهر بالعلمية وتدّعي الموضوعية ، الشأن الذي يهدينا إلى تبيّن السر الكامن خلف اتِّساع القاعدة الجماهيرية المتناغمة مع أهل الأهواء ، حتى صاروا بجملتهم أكثر كمية من أهل السُّنّة والجماعة ، وهذا مؤشر يبرهن بجلاء على أن التماهي الوجداني مع المضامين الدلالية لهذا الخطاب ليس حقيقة شعورية منبعثة من رؤية منهجية وصياغة فكرية صائبة بقدر ما هي نتيجة للانسياق للمحركات الوجدانية .
إن القارئ المتسطح الذي يعاني من الهزال في بنيته المعرفية يتعسّر عليه إن لم يتعذّر أن يقرأ بروح تمحيصية ناقدة ، فهو لا يملك القدرة على سبر أغوار الروح العامة وتفكيك البنية الشاملة التي ينهض عليها هذا الخطاب ، ولذا يقع فريسة سهلة للأفكار السالبة بكافة ضروبها ، ويسيطر عليه ما يشبه عمى الألوان ، فيتجاوب مع المادة المطروحة ، ويتذوّقها ، وتنطبع لديه في أعماق الضمير ، والمصيبة الأعظم تكمن في عدم شعوره بما ينطوي عليه من إشكال معرفي حادّ سهّلَ من اختطاف عقله ومن ثم مصادرته في بُعْده الإنساني .
إن قصور الاستعدادات المعرفية لدى المتلقّي يفضي بالضرورة إلى إضعاف شخصيته الثقافية ، ولذا ؛ فإنه بمجرد اطِّلاعه على مجموعة مقالات أو بضعة كتب من الكتب الفارغة إلا من الغُثَاء التراكمي فإنها كفيلة بإحداث هزّة عنيفة في كيانه تعصف بما تأصّل لديه من قناعات على نحو يجعله يتنكّر لما نشأ عليه من قيم ، ولا ريب أن هذا يبرهن بجلاء على عمق الانفصال بينه وبين الفقه العقدي من جهة ، وعلى أساليب الطرح الماكرة القادرة على التسلل بسهولة إلى التركيبة الذهنية للمتلقِّي من جهة أخرى .
تُعدّ العزلة الشعورية ، والنَّأْي عن النهل من العلم المؤطر بالمنهج الرباني ، وعدم التفاعل المثمر مع قادة الفكر وأرباب المعرفة وذوي الحسّ الحي في الأمة ، والتجافي عن المصادر المعتبرة التي تشكل الفكر الموضوعي ؛ من أكبر العوامل الموهنة للتماسك العقدي والمؤسسة لتداعي المسلَّمات القطعية ، والتي تحيل الفرد إلى هدف سهل المنال لمختلف الوافدات والمؤثرات الثقافية المناهضة لمكوّناته الأساسية ، والمناقضة للسلّم القيمي الذي تشكّل وفق دلالاته ، والمخالفة للأدوات المعيارية التي على ضوئها يقيم أحداث الحياة . هذه البواعث تعرِّض كثيراً من الأسس المفاهيمية إلى التزعزع والتآكل الداخلي .
إن هذا المتلقِّي بفعل ما يحتوي عليه من فقر علمي وجهل عميق لديه ضرب من السلوك الازدواجي الذي يتجلَّى على نحو واضح في تباين تعاطيه مع الأفكار المجسّدة والمجرّدة وتباين مواقفه إزاء كل منها ، مما يشي بإمَّعية فكرية ضُربت بعمق في أعماق أغواره فأضعفت عناصر المقاومة في ذهنه فضلَّ عن الحق وتاهَ في بَيْداء الوهم والخيال كأثر حتمي لتزاوج الهوى الحاجب لصفاء الحقيقة والجهل اللامحدود الذي بفعله باتت رؤيته سطحية هامشية فاقدة للرؤية النقدية التي تعتمد التجرد والموضوعية أبرز أدواتها .
إن مما يبعث الأسى هو أن المتلقّي السالف الذِّكْر قد يكون أحياناً ممن يساهمون في تصوّره بإثراء الحركة العقلية ودفعها لا لتأهيله لذلك ، وإنما لاحتلاله مكاناً أكبر بكثير من مقاساته المعرفية والعقلية وهنا تعظم المأساة ، حيث إن جملة الأفكار التي تسرّبت إلى جنانه واستقرت في حسِّه وتراكمت في عقله الباطن هو الآن يتبنّى العمل على تصديرها وإنتاجها يستهدف بها متلقّياً هو الآخر بالمواصفات ذاتها يستلهمها فتعانق وعيه وتكتسح لُبَّه فيتقولب بمضامينها التي تتغلغل فتلامس كل جزئية من وجدانه ، وهكذا تجري عملية التسويق عن طريق الاجترار بتبادل الأدوار على نحو يثير الشعور بالأسى والشّجن .
إن هذا الطرح ذا النزعة الليبرالية يعكس بنقاء كامل الصورة عن عقول مصادرة تتظاهر بالتحرّر والانفتاح الذي لا يتحقق من وجهة نظرها إلا بالخروج عن منطق التجانس الجمعي ، واستفزاز الساكن ، ومخالفة السائد ، وتحريك الراكد ، واختراق ( التابو ) ، والتمرد على المقاييس والأعراف المعتبرة ، واستدبار النصوص ، وإسقاط مكانة العلماء ، والتقليل من خصوصية المجتمع ، والمبالغة في السقوط الأخلاقي بحجة التطوير والتجديد .
إن الحقيقة التي يجب أن تكون حاضرة في أذهاننا دائماً هي أن التجديد لا يكمن في الإقصاء لأخلاقٍ واستدعاءِ أخرى على الضدِّ منها ، وإنما يتم التجديد من خلال توسيع مدى الأبعاد الدلالية لبعض الأبنية المفاهيمية الأخلاقية ، وابتكار الآليات الفعّالة لعولمتها وجمهرة ممارستها وتكثيف الدعاية لها والإعلاء من قيمتها في النَّسَق الأخلاقي العام ودفعها نحو نقلة ارتقائية تحتلُّ جراءها موقعاً أعلى في درجات السلّم القيمي .
إن ثمَّة ثلة من الكُتّاب لديهم تصور ذاتي وهمي ، فهم يرون ذواتهم أنهم طليعة هذه الأمة والناطق بلسانها والمعبِّر عن آلامها وآمالها ، وهم فقط الذين يملكون عناصر الترشيد الضرورية للنسيج الاجتماعي الذي استقرَّ في وعيهم أنه بخاصته ودَهْمَائه وبسُراته وبُسطائه وبتنويعاته وتعبيراته وبمكوّناته وقياداته الدينية وبفعالياته الثقافية وبرموزه العلمية ؛ عبارة عن قطيع غوغائي ومزيج نَتِنٍ من الإمَّعات والسطحيين الذين يعيشون في واقع استاتيكي سكوني يغلب عليه طابع النمطية والاطّراد العشوائي على نحو يدفع هؤلاء الكُتّاب من وجهة نظرهم إلى الاشتغال على تهيئة بنية هذا المجتمع لخصائص جديدة ، وذلك من خلال تطوير أنماط سلوكهم وتوسيع آفاقهم بعَصْرنة مفاهيمهم ولَبْرلة توجّهاتهم .
الفلسفة التي يصدر عنها الطرح الليبرالي تكمن في اختزاله كافة أشكال الرقي في البُعْد المادي المحض ، وتتجلّى في طبيعته الموضوية الرافضة للماضوي والعاملة على تجسيد القطيعة المعرفية معه تمهيداً لمحوه من الأذهان ومن ثم تهميشه في عالم الواقع الفعلي ، وفي سبيل هذه الغاية فإنه يلحُّ وعلى نحو مستمر على جملة معانٍ محددة يتغيّا استقطابها لإذاعتها وجمهرتها على أرض الواقع العملي .
تحرير المرأة ، إلغاء تعدد الزوجات ، الحرية المطلقة ، الثورة على التراث السلفي ، تحرير العقل من سلطة النقل .. إلخ ؛ كلها مفردات تكتظُّ بها هذه الأطروحات على تباين جليٍّ في مستوى شفافيتها وتغاير واضح في القوالب المستخدمة لتسويق تلك الرُّؤى على نحو يضمن لها القبول والانتشار والتمدد .
إذا تبلور ما سلف وصلنا إلى نتيجة راسخة مفادُها أن رفع منسوب العلم الشرعي وفي بُعْده العقدي خاصة بوصفه هو الذي يهندس الشخصية الإسلامية ويوجِّه طاقاتها ويرشد حركة معرفتها شرطٌ موضوعي يلزم توفّره في كل فرد بحسبه .
وتتأكد أهمية توفّره في كل من ينزع إلى التواصل القرائي مع مختلف الأطروحات المنتمية إلى منظومات فكرية مغايرة أخرى ؛ لأن العلم الشرعي بحسبه يمثِّل بنية معرفية عميقة بالنسبة للعلوم الأخرى هو الذي يكسب حامله حسَّاً نقدياً ورؤية نافذة قادرة على إزاحة الستار وإدراك ما يحتجب خلفه من منطلقات وما يكمن من خيوط دقيقة ضامرة في أعمق أغواره .
إن الإلمام بالعلم الشرعي والتشبّع بالفقه العقدي وفق منهج سلفي مطلبٌ جوهري في غاية الأهمية والإلحاح ، مطلبٌ يمنح صاحبه حصانة فكرية ، ويزوِّده بمناعة نفسية ، ويورِّثه عزّةً وقناعة تامة بصوابية توجّهه ، ويمدّه بحيوية ذهنية وقدرة فذّة على القراءة النقدية التي تضعه أمام الحقيقة الموضوعية لهذه الأفكار الوضعية التي تغذِّي أخيلة مستهلكيها بالمفاهيم الكاسدة والمتشابكة مع أسسنا الفكرية لسلّمنا القيمي المستوحى من نصوص الوحيين .
إن العمق المعرفي الشرعي هو الذي يمنح المتلقِّي عقلاً متحرّراً من علائق التبعية لكل فكر متوتر معزول عن وحي السماء ، ويمكِّنه من الصيرورة إلى تملّك أفق شمولي واسع يمنحه أعظم صور البلورة النقيّة التي توقفه على حقيقة مقروئه فيعرِّي سوأته ويجلي ثغراته ويعي مدى ما تولّده من مفاسد في البنية العقلية وحجم ما تقرّه من خلل في الكينونة الثقافية .
إن التأهيل وبقدر كافٍ للذات من خلال توثيق الاتصال الفعّال بمنابع الثقافة الإسلامية شرطٌ يجب استدعاؤه لاستثمار معطياته بحسبانها هي من يزوّد الفرد بالنظرة العميقة المخترقة لحدود الإدراك الظاهر والسابرة لأغوار المقروء وغربلته ، ومن ثم مواراة الأفكار المولدة للتصورات المغلوطة في الزوايا المظلمة من الذاكرة ليجري استحضارها في الظرف الملائم ، وذلك عند إرادة تجلية مساحات التفوق وإظهار القيم الجمالية وإبراز خطوط التميّز في الفكر السلفي ، والذي تتجلّى روعته الأخّاذة عند مقارنته بضدِّه ، وكما قال الأول : وبضدِّها تتميّز الأشياءُ .
ثانياً : المبالغة في إيراد الأسئلة والاستفهامات على العقل وتحميله ما لا يحتمل بجعله الإطار المرجعي الأول بعيداً عن النص : إن الحضور الفعّال للبُعْد التساؤلي في حسِّ الفرد يُعدّ من أهمِّ الشروط اللازمة لتفتيح ملكاته الفطرية ونموّ كينونته المعرفية وتكوين نظرته الشمولية . ولذا ؛ فإن تطلّع الفرد إلى استكناه المجهول وإيراده للتساؤلات الهادفة التي تطرح أبعاداً غائبة لم تُمنح ما تستحقه من عناية وتشوّفه إلى معرفة الخيوط التي نُسج منها الواقع ، وبحثه عن إجابات تمكّنه من فرز التباسات الآني المعقد وتبيّن تشابكاته وتداعياته ومن ثم تحسس المسارات الآمنة ينمّ عن عمق في الوعي ، واستنارة في العقل ، وتحسّن في مستوى الإدراك ، وانعتاق من قيود النمطية والتقليد ، وثمّة بَوْنٌ ذهني لصالحه يكشف المساحة الشاسعة بينه وبين الأذهان الببغاوية التي لا تتقن سوى التقليد والمسكونة بكافة ضروب البلادة والتسطح لما تنطوي عليه من افتقار مطلق للبعد العقلاني المرتكز على العلم الموسوعي والتفكير الإبداعي الجادّ ، والذي توفّره مربوط إلى حدٍّ كبير بوجود التساؤلات بكثافتها الكمِّية من ناحية ، وبطبيعتها النوعية من ناحية أخرى ، وقديماً أجاب ابن عباس رضي الله عنهما عندما سُئل عن السرّ الكامن خلف ما يتوفر عليه من رصيد علمي هائل بقوله : ( .. بقلب عقول ولسان سؤول ) .
إذاً ؛ فثقافة التساؤل من حيث المبدأ هي ثقافة ينبغي تفعيلها وإشاعتها ، ولكن ثمَّة ملحظ يجب استحضاره في هذا السياق ، مؤدّاه أن الأسئلة تتباين باعتبار طبيعتها الماهية ، فثمَّة أسئلة لها عوائد إيجابية وثمَّة استفهامات لها مردودها المكتظّ بالسلبية ، كما هو الحال في الاستفسارات ذات النزعة الفلسفية المتمحورة حول ذات الخالق جلَّ وعلا وأسمائه وصفاته وأفعاله .
إن ثمَّة أموراً يجب أن يقف عندها العقل موقف التسليم والخضوع أُشير إلى جزء منها على نحو مجمل كما يلي :
أولاً : القدر ، فهو سرّ الله في خلقه ، والرب تبارك وتعالى يعلم الأصلح للخلق الذين لم يتعبَّدوا بالبحث عنه ، وإنما تعبَّدوا بالرضى الوجداني والتسليم المطلق والامتثال اللامشروط ، ولقد كان سلفنا الأوائل نموذجاً مثالياً يجدر الاحتذاء به في هذا الشأن ، وكانت مواقفهم حازمة إزاء من يتمادى في إثارة الأسئلة والإشكالات في القدر ، كما نرى في موقف الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه تجاه بعض أهل الذمة ؛ كـ ( قسطنطين ) الذي سلَّم مفاتيح بيت المقدس لعمر رضي الله عنه وقد أفصح عن شعور يخالجه بالاعتراض على القدر ، فتوعّده عمر رضي الله عنه حتى فاء إلى الحق . وكذلك قصة ذلك الشاب الذي أفرط في التفاعل مع الخواطر العارضة التي ترد على ذهنه ، فجاء به والده إلى ابن عباس رضي الله عنهما فزوّده بجرعات تعليمية حتى آبَ إلى النهج السوي ، وكذلك أيضاً قصة ( صبيغ التميمي ) وهي مشهورة في هذا السياق .
ثانياً : الغيبيات عموماً سواء منها ما يتعلق بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله بكيفياتها ، أو ما يتعلق بأخبار الغيب الأخرى كأحوال الآخرة أو عالم الشهادة الذي ليس بمقدور مداركنا تناوله ، فهذا كله يجب الكف عنه وتجنّب البحث في تفاصيله .
ثالثاً : بعض حِكَم التشريع ؛ لأن حِكَم التشريع متباينة ، فثمَّة جملة منها قد يُدرك من قِبَل عامة الناس ، وجزء آخر قد لا يدركه إلا العلماء ، وهناك جزء يختص الخالق جلَّ وعلا بمعرفته ، وهو سرٌّ من أسراره الخفية المغيبة عن البشر .
إن الإفراط في طرح المزيد من التساؤلات سلوك له إفرازاته السلبية ؛ لأن للسؤال قدرة هائلة على التشعب والتكاثر والسير في كل اتجاه ، فالسؤال السابق يفضي إلى السؤال اللاحق الذي بدوره يستدعي إجابة تكتظ بمواطن الأسئلة اللامتناهية ، وهكذا تتواصل الأسئلة على نحو توالدي يعي العقل ويرفعه إلى مشارف الهاوية ، فتتنازعه مشاعر متناقضة تعصف به وتحيطه بدائرة من الكآبة المقلقة والتوترات النفسية المرشحة للتفاقم والاستفحال .
إن ضغط الأسئلة اللامشروعة على الطاقة الذهنية هو في حقيقته ليس إعمالاً للعقل بقدر ما هو إهمال له وشرعة لاغتياله . تفعيل العقل يكمن في عقلنته بالدلالات المضمونية للنصوص الشرعية ، لا بالقفز على هذا البُعْد الشرعي بالاعتماد على الرُّؤى المشوَّهة والطرح المُرْبك للوعي الإنساني .
إن الذي أوجد العقل حدّد له دائرة عمله ، ووضع له الأُطر التي يجب أن لا يتجاوزها ، وجعل منه قاعدة ينطلق منها الفرد في وعيه عن الله وأحكامه ومراده ومرامي تشريعاته ، وهو بتآزره مع النص يشكل تصورات الفرد لأهداف الحياة والغاية من الوجود الإنساني .
لقد ضلَّت طوائف شتَّى بفعل جهلهم بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده ، وإقحامه في غير ميدانه ، كما نلحظ ذلك جليّاً عند الفلاسفة ، حيث أنفقوا طاقاتهم العقلية في سبيل أن يدرك المحدودُ غيرَ المحدود ، فتاهوا في محيط من الجدل المتناقض الذي لا يركن إلى قرار ، وقالوا : إن وجود الخالق وجود مطلق بشرط الإطلاق ، فجرّدوه من الوجود الذاتي ، وحصروه في الوجود الذهني الذي لا حقيقة له في الخارج ، والمعتزلة قدّسوا العقل وجعلوا النص يدور في فلكه ، فأدَّى بهم ذلك إلى القول بخلق القرآن ، وقال بعضهم : بمنع التسلسل في صفات الخالق جلَّ شأنه ، وأوجبوا عليه فعل الأصلح ، والصوفية بفعل انحسار دور النص قالوا : بوحدة الوجود ، واعتمد بعضهم على ( حدّثني قلبي عن ربي ) ، والجهمية منحوا العقل مكانة لم يُؤهل لها ، ونقلوا قدراته من النسبي إلى المطلق ، فقالوا : بنفي النقيضين عن الله ، ومنهم من قال : بالحلول ، ومنهم م قال : بالاتحاد ، وجملة منهم حصروا الإيمان بالمعرفة المجردة فحسب ، والقدرية جعلوا للعقل الهيمنة الكاملة والمرجعية المطلقة ، فقالوا : بأن العبد خالق أفعاله وأن الله لم  يقدّرها ، والمرجئة جعلوا السيادة للعقل وعملوا على إقصاء النقل فقالوا : بنفي الكفر عمن تلبّس به والتاث بسلوكياته .
والثنوية ألّهوا العقل وخرجوا به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم ، فقالوا : بوجود خالقين لهذا العالم ، و الخوارج وسّعوا دائرة صلاحيات العقل وأَعْلوا من وظائفه فرَمَوا بالكفر من هو منه بَراءٌ ، وسلكوا منهج العنف ذي الطابع الراديكالي ، والدهرية جعلوا العقل هو الصانع المنتج للوعي والمحدد لإطاره فأنكروا وجود الخالق جلَّ في علاه ، و الأشاعرة و الماتريدية جعلوا العقل هو الركيزة الأساسية التي يصدرون عنها ، فقالوا : بظنّية الدلالات الشرعية ويقينية القواطع العقلية ، ووصفوا الخالق بالنقص عندما قالوا بعدم ظهور آثار أسماء الخالق وصفاته إلا بعد أن خلق هذا العالم المنظور ، و القرآنيون أطلقوا العنان للعقل فذبلت في حسّهم مدلولات النص القرآني وأبعاده الحقيقية فأفضى بهم ذلك إلى تهميش السُّنة وحجب أبعادها الدلالية الملزمة ، وهكذا تيارات متعددة تاهتْ عن الطريق الفطري الميسر بفعل تجاوزها لحدود الإدراك الإنساني ولإنفاقها للطاقة العقلية سفهاً في غير مجالها المأمون .
إن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أنه ليس ثمَّة تعارض بين العقل الصريح الخالي من الشبهات والنقل الصحيح ، بل التوافق بينهما هو الحقيقة الجلية التي لا تخطئها عينُ منصف ، والشريعة لا تأتي بمحالات العقول بل بمحاراتها ، وتأمَّل معي هذا الكلام القيم لابن تيمية في كتابه الموسوم بـ ( درء تعارض العقل والنقل ) هذا السِّفر الذي يُعدّ عملاً علمياً فذّاً لا يضارعه إلا القلة النادرة حيث يقول : « إن كل ما عارض الشرع من العقليات فالعقل يعلم فساده وإن لم يعارض العقل وما علم فساده بالعقل لا يجوز أن يعارض به لا عقل ولا شرع » 1/194 ، إذاً ؛ فتوهّم التعارض بين العقل والنص الصحيح آية على ارتباك العقل وفساده . ويقول في موضع آخر من درء التعارض : « إن النصوص الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعارضها قط صريح معقول ، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها ، وإنما الذي يعارضها شُبَهٌ وخيالات مبناها على معانٍ متشابهة وألفاظ مجملة ، فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شُبَهٌ سفسطائية لا براهين عقلية » 1/155 ، 156 ، ويقول أيضاً في الدّرء : « والمقصود هنا التنبيه على أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الموافق لصريح المعقول » 3/87 .
إن كل رؤية عقلية لها حظ من البُعْد الموضوعي وتصح من الناحية الاستدلالية يقول بها أهل الأهواء فإن لها ما يعضدها في المصادر التشريعية ، يقول ابن تيمية : « فوجدت كل طائفة من طوائف النظار أهل العقليات لا يذكر أحد منهم في مسألة ما دليلاً صحيحاً يخالف ما أخبرت به الرسل ، بل يوافقه ، حتى الفلاسفة القائلين بقِدَم العالم كـ ( أرسطو ) وأتباعه ما يذكرونه من دليل صحيح عقلي فإنه لا يخالف ما أخبرت به الرسل ، بل يوافقه » درء التعارض 1/133 ، إن الاجتراء الصارخ على قدسية النص إما بإقصائه ، وإما باستقطاب الترجمة المشوهة غير الأمينة التي لا تعكس حقيقته ممارسة عبثية لا علمية تشتغل على تهميش العقل الذي تحتِّم مقتضياته أن يكون النص الشرعي هو الضابط لإيقاعه والمحدِّد لمساره والموجِّه لتطلُّعاته ، يقول صاحب الدّرء : « إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل ؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين ، ورفعهما رفع للنقيضين ، وتقديم العقل ممتنع ؛ لأن العقل قد دلّ على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلو أبطلنا النقل لكنّا قد أبطلنا دلالة العقل ، وإذا أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضاً للنقل ؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء ، فكان تقديم العقل موجباً عدم  قديمه ، فلا يجوز تقديمه وهذا بيّن واضح ، فإن العقل هو الذي دلَّ على صدق السمع وصحته ، وأن خبره مطابق لمخبره ، فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلاً صحيحاً ، وإذا لم يكن دليلاً صحيحاً لم يجز أن يتبع بحال فضلاً عن أن يُقدَّم ، فصار تقديم العقل على النقل قدحاً في العقل بانتفاء لوازمه ومدلوله ، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه ، والقدح فيه يمنع دلالته ، والقدح في دلالته يقدح في معارضته كان تقديمه عند المعارضة مبطلاً للمعارضة ، فامتنع تقديمه على النقل ، وهو المطلوب » 1/170 ، 171 .
إنه ليس من العقل تحكيم العقل ؛ لأن العقول مضطربة ومتباينة وليس ثمَّة ما يسمّى بالعقل البشري كمدلول مطلق يكون مرجعاً يُحتكم إلى معطياته وعنصراً حاسماً يضع الأمور في نصابها ، يقول صاحب الدّرء : « والمسائل التي يقال إنه قد تعارض فيها العقل والشرع جميعها مما اضطرب فيه العقلاء ولم يتفقوا فيها على أن موجب العقل كذا ، بل كل من العقلاء يقول : إن العقل أثبت أو أوجب أو سوغ ما يقول الآخر : إن العقل نفاه أو أحاله أو منع منه بل قد آلَ الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية ، فيقول هذا : نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر : إنه غير معلوم بالضرورة العقلية » 1/144 ، 145 .
ويقول في موضع آخر من الكتاب ذاته : « فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئاً واحداً بيِّناً بنفسه ولا عليه دليل معلوم للناس بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب لوجبَ أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته ولا اتفاق للناس عليه » 1/46 .
إن الشارع حكم بتحديد مجال النظر العقلي وصيانة الطاقة العقلية أن تتبدّد وراء الغيبيات التي لا سبيل للعقل البشري أن يحكم فيها وإنما يخضع ويذعن ، والعقل التسليمي هو الأمر الذي كان الإسلام بوصفه النَّسَق الذي يشكل الإطار المفاهيمي الموضوعي يحث على الصيرورة إليه بعيداً عن العقل الشكي الديكارتي التائه في أودية الخيال .
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الصواعق المرسلة : « إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورُسُله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ، ولهذا لم يحكِ الله سبحانه عن أمّة نبي صدّقت نبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلّغها عن ربها ، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيّها ، بل انقادت وسلّمت وأذعنت ، وما عرفت من الحكمة عرفته ، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وإيمانها واستسلامها على معرفته ، ولا جعلت طلبه من شأنها ، وكان رسولها أعظم في صدورها من سؤالها عن ذلك ، كما في الإنجيل : « يا بني إسرائيل لا تقولوا : لِمَ أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بِمَ أمر ربنا ؟ » ، ولهذا كانت هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها : لِمَ أمر الله بذلك ؟ ولِمَ نهى عن كذا ؟ ولِمَ قدَّر كذا ؟ ولِمَ فعل كذا ؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام » 4/ 1560 ، 1561 .
وجماع القول أن إشكالية التحولات الفكرية إشكالية تطرح نفسها على الوسط الفكري بإلحاح يستدعي معاينتها وفق رؤية شمولية تتغيّا الاتجاه إلى العوامل الباعثة لها للعمل على تجفيف منابعها ، وهذا لا يعني أن ثمَّة كثافة كمّية مقلقة في هذا السياق كما أسلفت آنفاً ولكن كضرب من الفعل الوقائي الذي يعصم من إفراز إرهاصات بدأت نذرها بالتشكل على نحو قد يلامس حدود التأسيس لظاهرة باعثة على القلق في هذا المقطع الزمني المتّسم بتداخل الثقافات وثورة المعلومات وكونية التفاعل الثقافي ، وفي هذا الراهن الآني الذي استحال فيه العالم إلى غرفة إلكترونية محدودة المساحة الشأن الذي يجد فيه كلُّ معنيٍّ بالهمِّ الدعوي نفسه ملزماً أمام ضميره الخاص بتوظيف خبراته المتراكمة لإبداع الأُطر التي تعينه على رفع درجة الوعي لدى العقل الجمعي ، وتبصيره بأن التقدم إلى الأمام مرهون بالعودة إلى الخلق المتمثل في القرن الهجري الأول ، الذي تبوَّأ فيه المسلمون القمة السامقة في سلك التطور الارتقائي .
وصفوة القول أنه لا مناص من تسليط أشعة النقد على كل فكر ملوّث وكشف تناقضاته الفجّة ؛ لإيقاف مفعول الشحنة السلبية التي تستهدف مجتمعاً يسعى لاستئناف مسيرته الحضارية ولإعادة هذا الفكر الظلامي الذي تشكل النزعة الطوباوية أحد أبرز ملامحه إلى مكانته الطبيعية التي هو قمين بها ، ليظل قابعاً في أزقة الحضارة وموارياً في مزابل التاريخ .
مجلة البيان ـ العدد [229] صــ 94 رمضان 1427 - أكتوبر 2006

الأربعاء، 17 فبراير 2016

[الإسلام لعصرنا] ... قضية العلمانية والدين في البلاد الغربية ...

أ . د . جعفر شيخ إدريس [*]
jaafaridris@hotmail.com
      إذا استمعت إلى ما يقوله بعض العلمانيين في بلادنا خيّل إليك أن العلاقة بين
الدين والدولة أو بين الدين والسياسة لم تعد قضية في البلاد الغربية ، وأن القوم
هناك قد اتفقوا جميعاً المؤمنون منهم بالأديان وغير المؤمنين على أن الدولة يجب
أن تكون علمانية وأن الدين لا دخل له بالشؤون العامة ، بل يجب أن يكون
محصوراً في الحياة الخاصة . لكنك إذا تتبعت ما يقوله الغربيون أنفسهم ، ولا سيما
في الولايات المتحدة تبين لك أن الأمر على غير ما صور لك أولئك العلمانيون في
بلدك ، وتبين لك أن هذه القضية ما زالت تثير عند أولئك القوم معارك حامية
الوطيس ، وما يزال كثير من الناس فيها يتجادلون ، وعنها يكتبون ويخطبون ،
وبسببها يتحزبون ، وعلى أساس منها يصوتون . بل إذا تُرجمت لك معاركهم
الكلامية في هذه المسألة ، وأُخفي عنك المكان الذي دارت فيه فلربما تخيلت أنها
تدور في بلد إسلامي . وإليك أمثلة على ذلك :
      التقيت منذ سنين في مؤتمر عالمي برجل أمريكي نصراني عرف أنني
مستمسك بديني ، فقال لي ناصحاً : لا تُخدعوا كما خُدعنا بالعلمانية ، كنا نظنها
نظاماً محايداً بين الأديان ؛ فإذا بها دين مُعادٍ للأديان . استغربت كما لا بد أن يكون
بعض القراء قد استغربوا في أن يأتي مثل هذا الكلام من رجل غربي . لكن هذا
الشعور بخطر العلمانية على النصرانية بدأ الآن يزداد ، حتى إن أستاذ فلسفة
كاثولوكي نشر كتاباً في عام 1996م نصح فيه إخوانه النصارى قائلاً : من أهم
مسائل هذا الكتاب أننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في تصنيفاتنا الحالية وصفوفنا
الحالية . إننا بحاجة إلى أن ندرك أولاً : أننا في حالة حرب ، وثانياً : أن الأطراف
قد تغيرت تغيراً جذرياً . كثيرون ممن كانوا أعداءنا ( المسلمون مثلاً ) هم الآن
أصدقاؤنا ، وبعض من كانوا أصدقاءنا الإنسيون ( humanists ) مثلاً هم الآن
أعداؤنا [1] .
      لكن الحملة النصرانية ضد العلمانية ازدادت ضراوة إبّان الانتخابات الأمريكية
التي صوَّر المحافظون فيها الحزب الديمقراطي بأنه حزب العلمانية والليبرالية ،
والحزب الجمهوري بأنه الحزب المناصر للدين والقيم الخلقية .
      فهذا أحدهم يكتب مقالاً بعنوان : الدين في مواجهة العلمانية [2] يبدؤه بقوله :
لقد أصبح الدين واحداً من أعظم العوامل التي تحدد لك كيف تصوِّت . إن الذين
يكثرون من الصلاة يميلون إلى أن يصوتوا للحزب الجمهوري ، والذين لا يفعلون
هذا يميلون للتصويت للحزب الديمقراطي . لقد أظهر آخر استطلاع أن 63% من
الذين يشهدون مناسبات دينية أكثر من مرتين في الأسبوع يقولون : إنهم سيصوتون
للجمهوريين ، بينما يقول 62% من الذين لا يشهدون مثل هذه المناسبات أو لا
يشهدونها إلا نادراً : إنهم سيصوتون للديمقراطيين . لقد صار غير المتدينين هؤلاء
قوة كبيرة في داخل الحزب الديمقراطي ؛ يُخشى أن يحولوه إلى حزب علماني .
      ثم يشكو من كون الإعلام يركز على سيطرة المحافظين الجدد والنصارى
المتعصبين من أمثال ( فولويل ) . لكنه أي الإعلام نادراً ما يقول شيئاً عن سيطرة
غير المتدينين على الحزب الديمقراطي . وينقل عمن وصفهما بـ ( عالِمَي اجتماع )
واهتمامهما بهذه القضية قولهما : إنه منذ عام 1992م درج من سبعين إلى ثمانين
بالمئة من العلمانيين الليبراليين على التصويت للمرشح الديمقراطي ، بينما درج ما
يقارب ثلثي المتدينين المحافظين على التصويت للمرشح الجمهوري . وينقل عن
امرأة محافظة قولها عن الطريقة التي يصوت بها الناخبون : « إنها في الحقيقة
فاصل على خط ديني بين من يعتقدون في حلول بشرية لمشكلاتنا وبين من يعتقدون
في حلول مبنية على الإيمان » . وهو يفسر موقف الإعلاميين ذاك بقوله : « ربما
لأن الصحفيين الذين ينتجون معظم الأخبار في أمريكا هم من المناصرين مناصرة
كاملة لأعداء المؤمنين » . وينقل عن بعض الإحصاءات أن ما يقرب من ثلث
هؤلاء الإعلاميين يعتقدون أن المسيحيين المنصرين خطر على الديمقراطية ، وأن
نصفهم يرى أن هؤلاء لهم قوة سياسية زائدة عن الحد . إن ما يقرب من نصف
هؤلاء الإعلاميين يصرحون بأنهم لا دين لهم ، وما يقرب من ثمانين بالمئة منهم لا
يكادون يذهبون إلى الكنيسة .
      من أبرز ما ظهر بهذا الصدد في الأشهر الأخيرة من انتخابات الرئاسة كتاب
لمؤلف مسيحي مشهور عنوانه : الاضطهاد ، كيف أن الليبراليين يشنون حرباً على
المسيحية [3] . ظل هذا الكتاب لمدة خمسة أسابيع على رأس قائمة جريدة
( النيويورك تايمز ) لأكثر الكتب شراء . كان مما قاله هذا المؤلف في مناسبة
دينية دعي لها :
      نحن في أتون حرب ثقافية يعنون بالثقافة هنا المعتقدات والقيم في هذا البلد .
أعتقد أن المسيحيين هم الهدف الأساس للعلمانيين الإنسيين ( secular
humanists ) النشطين في حرب الثقافة هذه . إن نظرتنا المسيحية العالمية كلها
محاصرة . لقد صارت القيم العلمانية هي المسيطرة في بلدنا ، وهذا أمر يجب أن
يحظى باهتمامنا .
      وذكر أن من وسائل العلمانيين في محاربة المسيحية إبعادها من المجال العام ،
وأنهم يعتمدون في هذا على تفسير غير صحيح للمادة الدستورية المتعلقة بما عرف
بفصل الدين عن الدولة . إنهم يفسرونها بالفصل الكامل بين المعتقدات الدينية
والحياة العامة ، لكنه وهو رجل قانون يقول : إن هذا لم يكن مقصود الآباء
المؤسسين ، هكذا يسمون واضعي دستورهم ؛ لقد كان مقصودهم في نظره هو
حماية الحرية الدينية بمنع الكونغرس والحكومة الفدرالية من إنشاء كنيسة قومية .
      إن في الولايات المتحدة ظاهرة يسمونها بالحرب الثقافية ( حرب الاعتقادات
والقيم ) ما تزال تزداد مع مرور الأيام استعاراً . لقد كُتبت فيها وفي أسبابها
ومخاطرها وطرق علاجها كتباً وبحوثاً كثيرة ، وما يزال المحافظون والليبراليون
يتهم بعضهم بعضاً بأنهم السبب في زيادة حدة هذه الحرب . ينقل صاحب هذا المقال
عن بعضهم قوله : إن الديمقراطيين هم السبب في هذا ؛ لأنهم هم الذين جروا
الحزب الديمقراطي إلى اليسار . إن كثيراً من العلمانيين والليبراليين ومن يمكن
تسميتهم بأعداء المتدينين هم الآن ديمقراطيون لدرجة أن بعضهم صار يسمي
الحزب الديمقراطي بالحزب الذي لا مكان فيه لله .
      ومع أن أوروبا هي الآن أقلّ بلاد الدنيا تديناً إلا أنه مما أثار حنق الكثيرين
من المتدينين فيها ، ولا سيما رجال الكنيسة الكاثولوكية أن الدستور الجديد للاتحاد
الأوروبي جاء علمانياً خالصاً لا ذكر فيه للنصرانية ، حتى باعتبارها من المكونات
التاريخية للثقافة الغربية .
      في أكتوبر من العام الماضي 2004م قال الكاردينال راتزنجر وهو كما يقال
أحد المرشحين لمنصب البابوية في إحدى المناظرات مبدياً قلقه من تزايد العلمانية
بالاتحاد الأوروبي : إن العلمانية تقوم على مذهب وضعي يؤدي إلى اعتناق النسبية ،
وإنه إذا صارت النسبية مطلقة فإنها ستكون متناقضة مع نفسها ، وتؤدي إلى
تدمير العمل البشري . وقال : إن من الأسباب التي سُوِّغ بها إغفال ذكر النصراينة
أن ذكرها كان سيؤدي إلى إثارة حفيظة المسلمين ، لكن الحقيقة كما يقول : هي أن
الذي يغضب الإسلام : هو الإساءة إلى الذات الإلهية ، والغطرسة العقلانية اللتان
تنتجان الأصولية الدينية [4] . إن العلمانية كما يقول هذا الكاردينال : عقيدة جزئية
لا يمكن أن تستجيب لكل التحديات البشرية . العقل بالعكس كما يقول ليس عدواً
للإيمان ، لكن المشكلة تنشأ عندما يكون هنالك احتقار للخالق وللمقدسات . وقال عن
الحرية : إنها تفهم اليوم فهماً فردياً مع الناس أنهم إنما خلقوا ليتعايشوا . إن هنالك
حرية مشتركة تضمن الحرية للجميع ، وتمنع جعل الحرية مطلقة [5] .
      لقد صارت العلمانية في نظر بعض المتدينين الغربيين أيديولوجية تحدُّ من
الحرية . وفي هذا الصدد يقول رئيس رابطة أطباء كاتالونيا المسيحيين بإسبانيا
لموقع org.Zenit النصراني : إنه إذا كنا قد تحدثنا في الماضي عن أيديولوجيات
هدامة : كالفاشية ، والماركسية ؛ فإننا نشاهد في العلمانية اليوم تقليصاً
لحرية التعبير ، ولممارسة التدين . ضرب بعض الأطباء الكاثوليك أمثلة على ذلك
بأنه يكاد يكون من المستحيل اليوم أن تحصل على لقب طبيب نساء
( gynecologist ) إذا لم تكن قد أجريت عملية إجهاض ، وأنهم في فرنسا
يمنعون من وضع لافتات تعلن عن مؤتمراتهم بحجة أن هذا مظهر ديني لافت
للنظر ! [6]
________________________
(*) رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة .
(1) Peter Kreeft, Ecumenical Jihad : Ecumenism and the Culture War,
Ignatius Press, San Francisco, 1994, p 9 .
(2) Face to Face : Religion vs Secularism in Politics By Paul
Strand,Washington Sr Correspondent, CNB com .
(3) David Limbaugh, Persecution : How Liberals are Waging War Against
Christianiy, Parrenial, 2004 .
(4) عني أن الأصولية تأتي رد فعل لهذا التطرف العلماني .
(5) Rome, Oct 27, 2004 (Zenit org) .
(6) ( Madrid, Spain, 22 November, 2004 (Zenit org .

(( مجلة البيان ـ العدد [208] صــ 38    ذو الحجة 1425 - يناير 2005 ))